إرث ثقيل من المهام المؤجلة..والتعويل قائم على تغيير العقلية النمطية

0 70

شارع المال|

هي حكومة “نصف” جديدة إذاً، بمهام قديمة توارثتها حكومات متتالية واحدة تلو الأخرى حتى الحالة الراهنة بما تحمله من عقبات منها أصيلة ومنها دخيلة، بالتأكيد تبدأ الحكومة “السادسة في زمن الحرب” أعمالها في ظروف غير اعتيادية كما سابقاتها، فهي أمام مواجهة مباشرة وصعبة مع الوضع الاقتصادي المتردي وتدهور الحالة المعيشية والتخبط في سعر الصرف وانهيار القدرة الشرائية إلى الحضيض وارتفاع الأسعار الجنوني بلا رادع، وتراجع الإنتاج وغيرها الكثير من الصعوبات يُرد بعضها للعقوبات الاقتصادية والبعض الآخر للفساد المنتشر في مختلف المفاصل والمستويات الإدارية والتجارية والصناعية، يضاف إلى كل ما سبق أزمة “كورونا” وما خلفته من تبعات صحية واقتصادية واضطراب في المنظومة الصحية، فهل ستتسع حقائب الوزراء لهذه الحزمة وغيرها من المهام التي تصنف كلها كأولويات..!.

عقلية نمطية

بعيداً عن رومنسية المتفائلين وسلبية المتشائمين لا بد في البداية من انتظار البيان الحكومي والأسس التي ستبني عليها الحكومة الجديدة جدول أعمالها، وإن كان هناك رؤية جديدة لآلية التنسيق في القرارات، فالتجارب أثبتت مراراً وبنتائج قاسية أحياناً أن تشتت القرارات والرؤى وانعزال كل وزارة في قراراتها عن الأخرى تركت آثاراً وخيمة لن يعالجها تغيير اسم وزير واحد أو عشرة وزراء دون تغيير عقلية المنظومة ككل، وهو ما شدد عليه الخبير الاقتصادي عامر شهدا في حديثه لـ”البعث” حيث اعتبر أن ما سبق من أخطاء في الأداء الوزاري لم يكن فردياً، وإنما نتيجة نمطية تفكير لم تتغير خلال 5 حكومات سابقة ولا يمكن التفاؤل بتغيير ما لم تتغير تلك النمطية.

أولويات

لم يطل التغيير جميع الوزارات المعنية بالشأن الاقتصادي بل اقتصر على “المالية والصناعة والزراعة” فهي إلى جانب وزارتي الاقتصاد والتجارة الداخلية الأكثر تصدراً للمشهد الحالي ومتغيراته، بل ويقع على عاتقها حمل ثقيل من الأولويات والملفات المستعجلة والتي يعتبر الأستاذ في كلية الاقتصاد د.زياد عربش أن الوضع المعيشي والخدمي للمواطنين في مقدمتها، بحيث يجب تفعيل واستغلال الموارد المالية والبشرية بالشكل الأمثل في كافة عمليات الإنتاج، بدءاً من المواد الأولية المنتجة محلياً أو المستورد منها إلى العرض السلعي النهائي والخدمات العامة، فضلاً عن الاتجاه للعمل بروح فريق واحد خاصةً في ظل تشابك وتعدد العوامل المؤثرة، وذلك عبر مبادرات واضحة وعابرة للتراكيب المؤسساتية، وبالتالي طرح الحلول المتكاملة من الجانب التنظيمي إلى الإدارات المحلية والتمويل ومناحي الاستثمار.

مهام مستعصية

تحظى وزارة المالية بحصة وافرة من الملفات العالقة والمستعصية من التهرب الضريبي إلى التضخم وموارد الخزينة وإعادة النظر بضريبة الدخل وقانون البيوع العقارية والجمارك والكثير من المهام المتوارثة لأجيال، مع ضرورة هجر عقلية الجباية – وفقاً لعربش – والتوجه إلى الإنفاق المستهدف، بما يتضمن تفعيل عملية التمويل لأغراض إنتاجية -خاصة في قطاع الزراعة-، إضافة إلى الإصلاح الضريبي، بينما أشار شهدا إلى انعدام التناغم سابقاً بين وزارة المالية والمصرف المركزي رغم أنها تلعب دوراً مهماً في ضبط التضخم بالتعاون مع المركزي إلا أننا لم نشعر بهذا التعاون وكان “كل يغني على ليلاه”، مضيفاً: أهم الأولويات في المالية زيادة موارد خزينة الدولة وهو أمر سيتبين طريقة تطبيقه وفق الدراسات والرؤى، متسائلا هل يمكن لكل وزير أن يقدم برنامج أعمال وجدولا زمنيا في ظل العقلية السائدة.!.

جوهر التغيير

تتجه الأنظار اليوم بشكل كبير إلى قطاعي الزراعة والصناعة على أنهما –وبالأخص الزراعة- المنقذ الأول مما وصلت إليه المؤشرات الاقتصادية، ويبدو التعويل كبيراً على دور الزراعة في المرحلة المقبلة بدايةً من تأمين مختلف الأصناف محلياً لاسيما الاستراتيجية منها، وصولا إلى التصدير ورفد الخزينة بالقطع الأجنبي بدلا من استنزافه، وإيجاد حلول إسعافية للثروة الحيوانية والتدهور الذي تعاني منه، إذ بيّن شهدا أن أولويات قطاع الزراعة دعم الثورة الحيوانية ودعم المنتجات الاستراتيجية (القمح والقطن والشوندر) لتخفيف الاستيراد وهدر القطع، ودعم الإنتاج الزراعي بمختلف أصنافه، أما على مستوى الصناعة، فالبداية عبر إعادة النظر بقوانين الصناعة وإزالة المعوقات ودعم الإنتاج الصناعي وفتح منافذ تصديرية، ومعالجة القروض المتعثرة للصناعيين، داعياً إلى إعادة استقطاب المستثمرين والصناعيين السوريين في المغترب.

معالجات بالجملة.!

ومن ضمن حزمة المهام التي تنتظر رؤية شاملة لتنفيذها أشار عربش إلى التركيز على معالجة التشوهات السعرية والدعم، ورفع مستوى التشغيل لزيادة النشاط الاقتصادي، وتخصيص العوائد للشرائح الاجتماعية الهشة، على أن تتم المراجعة المستمرة لفترات قصيرة وإيجاد مؤشرات قياس من البداية إلى النهاية لتقييم ما سينجز، بدوره لفت شهدا إلى تخفيض الأسعار ولجم التضخم ومراقبة الكتلة النقدية، وتحريك المصارف باتجاه تمويل الإنتاج.

لا حلول سحرية

قد يكون كل ما سبق ذكره من ملفات عالقة دليلا على صعوبة هذه المرحلة واستحالة تطبيق كل شيء دفعة واحدة، إلا أن التعويل ليس على “الحل السحري” وإنما الجدية في التعامل مع المشاكل عبر تأسيس واضح وبعقلية جديدة، ولا بد من الإشارة هنا إلى ضرورة ردم الهوة بين الحكومة والمواطن فالثقة اليوم معدومة بين الطرفين، وحالة العزلة التي فرضتها حكومات سابقة عن قصد أو غير قصد أفقدت الشارع الثقة بأي من القرارات المتخذة، لاسيما بعد الشعارات الرنانة التي لم يطبق شيء منها طيلة السنوات السابقة، فهل سنكمل بمبدأ الخطابة والأقوال أم أن تغييراً ما سيحصل.!

البعث – ريم ربيع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.