وشهد شاهد من أهل “وزارة المال”: التقييم المالي غيردقيق..!.

360

شارع المال|

دمشق – فاتن شنان

يبدو أن عجز الحكومة عن صياغة رؤية اقتصادية متكاملة لتصحيح مسار الاختلالات الاقتصادية وتنظيم نشاطات الفعاليات الاقتصادية لبلورة مظهر اقتصادي صحي، بات واضحاً، نتيجة التخبط والتفنن في تنفيذ القوانين – وإن كانت تلك القوانين صحيحة ومطبقة عالمياً ومحلياً- كونه نادراً ما تنفذ القوانين الصادرة وفق المصلحة العامة وإنما تسخر لمصلحة الجهة المعنية فقط، لن نظلم وزارة المالية إن كانت مثالنا اليوم بما ابتدعته في تنفيذ قانون البيوع العقارية وما تبعه من قرارات كضريبة النكول بالبيع والذي أثار ضجة عارمة واستياءاً واضحاً، من تجلي هدفها في رفد الخزينة العامة من حسابات المواطنين المالية وتعثرها في البحث عن مطارح ضريبية، وفقاً لما يعنيه المصطلح كونه يستلزم نشاط تجاري فعال ليجوز للمالية فرض ضريبية حقيقية.

هدر مجدد

كما أنه من النادر ما تتم معالجة الشكاوى الواردة من المواطنين بخصوصها في حينها، بل فرضت التنفيذ ثم الاعتراض، وهنا لكم أن تتخيلوا الآلية التي يتم التصحيح بها والوقت والجهد والعبء المالي المهدور، وغالباً يلقى الجواب إلى سلة التعليمات التنفيذية الموضوعة من قبل كوادر تلك الجهة، وكأنها نص مقدس لا يقبل التعديل إلى حين يبلغ السيل الزبى، فتؤول النتيجة إلى انتظار تعديل شامل لقرار يهدر من الوقت ما هدره تعنت الجهات في تنفيذ ما نصته..!.

لاشك أن القوانين الصادرة تعالج قضية هامة أو تنظم عملية معينة والكلام ينطبق على قانون البيوع العقارية الصادر برقم 15 لعام 2021 مؤخراً، إذ نص على “تنظيم استيفاء ضريبة البيوع العقارية، والتي يتم تحديدها بمعدل من القيمة الرائجة للمتر المربع استناداً إلى الوصف المالي للعقار، وفق معايير وعوامل لكل من العقارات السكنية أو التجارية أو الصناعية أو الزراعية أو السياحية”.

إلى هنا لا إشكال على ما نص عليه القانون، إلا أن عملية التخمين والتسعير من قبل لجان رسمية معتمدة من قبل وزارة المالية هي أس المسألة، حيث قوبل باحتجاج كبير من قبل مالكي العقارات، إذ تفاجأوا بأرقام فلكية لممتلكاتهم العقارية تزيد عن أسعارها الرائجة أضعاف مضاعفة، رغم أنه لا يخف على أحد وهمية الأسعار الراهنة كونها استندت إلى تذبذبات سعر الصرف وارتفاع مستلزمات البناء، واحتكار تجار العقارات.

مفارقات

تبرز مفارقة أخرى وهي التخمين الذي تقوم به المصارف العامة في تقييم الضمانة العقارية المقدمة بغية الحصول على تمويل مصرفي وغالباً ما تقوم لجان التخمين بتسعير العقار المقدم بسعر أقل من قيمته الأساسية وهو ما وضحه مصدر رسمي في المصارف من أن المصرف يأخذ بعين الاعتبار تقلبات الأسعار، لاسيما وأن مدة القروض تمتد لعشر سنوات في معظمها، بالمقابل لجان التخمين التابعة للمالية قامت برفع أسعار العقارات بنسب كبيرة بغية تحصيل نسب أعلى ضريبياً، والسؤال هل سيتم اعتماد تخمين لجان المالية في منح القروض، وبالتالي لا داع للجان التخمين المصرفية، وهنا يمكن أن تعود بإشكاليات على المصرف كونه يمنح قروضاً مرتبطة مادياً بقيمة الضمانة العقارية، أم أننا سنكون أمام سعرين أو أكثر للعقار نفسه وكلاً منهما معتمد في مجال، مع العلم أنهما جهة واحدة رسمياً.؟!

لا مانع

مع أن الهيئة العامة للضرائب -كجهة مشرفة – لم تتعاون مع محاولاتنا العديدة للحصول على معلومات، بدت بعض الجهات المصرفية أنها لم تفكر بالأمر، عندما حاول مدير المصرف العقاري الدكتور مدين علي التنصل من الجواب عدة مرات في اتصال هاتفي منهياً حديثه بكلمة “لا أعرف…” ولم يعطي توضيحاً، فيما إذا ستكون تخمينات المالية هي الأساس أم لا، لاسيما وأن المصرف العقاري المعني الأول في الموضوع كونه يمنح القروض العقارية للشراء أو الإكساء وهي ما تعتمد على قيمة العقار بشكل رئيسي على خلاف المصارف الأخرى التي تعتمد التخمين للعقار كضمانة عقارية تغطي 200% من قيمة القرض، فلها مساحة أمان أكبر في حال حدوث تجاوز بسيط بالقيم المالية للضمانات، في حين أبدى مديري المصرفين الصناعي والتجاري تفهمهم لما ستكون عليه الأمور، إذ أكد مدير عام المصرف الصناعي الدكتور عمر سيدي أن الجهات المعنية هي التي تقرر استخدامه لأغراض أخرى غير الضريبة أم لا، مضيفاً أنه لا مانع من وجود سعرين للعقارات في الجهات الرسمية وهو أمر طبيعي كون كل منهما لهدف معين الأول للضرائب والثاني للتمويل، شريطة ألا يكون هناك فارق سعري كبير بينهما، ويمكن للمصرف الاستئناس بتسعير المالية في حال حصول إشكالية في تخمين العقار المقدم كضمانة لاختلاف التخمين بين المقيمين المعتمدين أو الشك في صحة القيمة المخمنة من قبل لجنة المصرف، إذ يمكن الاطلاع على قيمته في المالية، واعتماد القيمة المالية الأقل سواء كانت من المالية أم من لجنة المصرف ليبقى المصرف في أمان.

غير دقيق

في حين بين مصدر مطلع في المصرف التجاري أن التقييم المالي غير دقيق، فالتقييم الدقيق يستلزم عدة محاور منها المنطقة والموقع والإكساء والمساحة وهي ما تحدد القيم الدقيقة للعقار، وبالتالي التقييم الذي تقوم به المالية لا يخرج عن سياق فرض الضريبية على العقارات المباعة وتجديد القيم القديمة للعقارات فقط، في حين التقييم في المصارف يكون بغرض التمويل، ويختلف من مصرف إلى آخر بحسب خبرة المقيم العقاري وفي حال الاختلاف المالي الكبير يعتمد أكثر من لجنة وأكثر من مقيم عقاري من هيئة الإشراف على التمويل العقاري.

نسب كبيرة

سيدي نوه إلى أن قانون البيوع لم يلغ هيئة الإشراف على التمويل العقاري لذلك سيبقى للمقيمين المحلفين والمعتمدين في الهيئة عملهم بالتقييم لعدة أغراض ومنها المالي، ولفت إلى أن القيم المحددة وفق قانون البيوع العقارية ستبقى لمدة ستة أشهر ليتم تغييرها مرة أخرى، وبالتالي لا يمكن للمصرف الالتزام بها كون عملياته التسليفية يومية، أما الإشكالية برأيه تكمن في النسب الضريبية المعتمدة في القانون، لاسيما في الإيجارات كونها تشكل عبء على المواطنين فالإيجارات مرتفعة جداً ويفترض أن تكون أقل لتضمن الالتزام والتسديد.

جباة المال

يبدو أن العرف الضريبي الذي يقول: إنه كلما كانت النسب منخفضة تكون نسب التحصيل أعلى والالتزام بها أكبر، بعيد عن تفكير راسمي السياسة المالية، فالنسب العالية تفسح المجال للفساد في دفع الرشاوى والتهرب من الضرائب، ولها أن تزيد نسب التهرب الضريبي الذي قارب 2 تريليون ليرة في سورية وفقاً لبعض التقديرات، كما يمكن الجزم بأن الناحية القانونية لمفهوم مطرح ضريبي الذي يفترض أن تكون ناتجة عن تعامل ونشاط مالي غائبة تماماً، بل يسيطر تفكير جباة المال لتعويض شح الموارد بفرض ضرائب لرفد الخزينة العامة من ممتلكات المواطنين، وعزا أحد خبراء الاقتصاد لكون القانون يجيز لوزير المالية الحصول على نسب من التحصيل الضريبي ومشاركة الدولة في الأموال العامة وبالتالي تسيطر الهواجس على المالية بفرض المزيد من الضرائب دون مبررات منطقية.

يذكر أن الضريبة على البيوع العقارية أصبحت 1% من القيمة الرائجة للعقارات السكنية، و2% بالنسبة إلى الأراضي الواقعة داخل المخطط التنظيمي المصدق، و1% للأراضي الواقعة خارج المخطط المصدق، و3% عن بيع العقارات غير السكنية، و1% للأسطح في العقارات السكنية.

البعث – فاتن شنان