السلطات النقدية  قررت النزول لحلبة المضاربة.. والنتيجة انحدار قيمة الراتب إلى 8 دولارات!

السلطات النقدية  قررت النزول لحلبة المضاربة.. والنتيجة انحدار قيمة الراتب إلى 8 دولارات!

28

شارع المال|

منذ سنوات ونحن رهن ارتفاع متتال في أسعار جميع السلع المنتجة محليا، وأيضا المستوردة، بحجة ارتفاع سعر صرف الدولار، والذي بدأ تصاعده ببطء من بدايات سبعينيات القرن الماضي يوم كان سعر صرفه نحو 5 ليرات بالترافق مع ازدياد أسعار جميع السلع على تعددها وتنوعها، واستمر هذا التصاعد حتى وصل إلى 500 ليرة قبل سنوات، ويومئذ استطاعت إحدى إدارات المصرف المركزي أن تضع اللجام في فمه وتوقفه عند هذا الحد وتمنعه من متابعة الصهيل فترة ليست بالقصيرة.

ومن المؤسف أنه قد أعقبت تلك الفترة زيادات متتابعة للدولار كادت أن تكون أسبوعية، وبمواكبة مماثلة لأسعار جميع السلع، كل ذلك تحت رقابة وإشراف وإدارة السلطات المعنية، التي قررت واعتمدت أكثر من سعر للدولار، وقررت وفرضت أكثر من قيد على التعامل به، ومع ذلك بقي تصاعده قائما، حتى وصل قبل أشهر إلى 5000 ليرة بالتوازي مع الانخفاض المتتالي في القوة الشرائية لليرة السورية، والمواطن موهوم بأنه لا حول ولا طول لأولي الأمر، خلافا للوقائع التي لا تدع مجالا إلاَّ للاستنتاج والشكوك، بأن ما وصلنا إليه ما هو إلا نتيجة لسياسة اقتصادية نقدية متعمدة الإضرار بالوطن والمواطن، أكثر مما هي عاجزة أو خاطئة.

والجديد الذي يدعم هذه الشكوك، وكان ملفتا للانتباه، أن السلطات النقدية  قررت منذ أشهر النزول لحلبة المضاربة مع مشتري الدولار، هؤلاء الذين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، والمعروفة مآربهم وهوياتهم المحلية والخارجية، رغم أنه من المتعارف عليه أن المضاربة ممنوعة من وجهة نظر اقتصادية ووجهات نظر أخرى. وبدلا من أن يتحسن حال الليرة السورية والوضع الاقتصادي، كما هو الموهوم المفترض من جراء دخول هذه المضاربة، إلا أن الوضع الاقتصادي ساء أكثر، وحالة الليرة ازدادت سوء، فبدءا من دخول المضاربة وحتى تاريخه – خلال أشهر – تضاعف سعر الدولار من 5000 – 10000 ليرة والزيادة مستمرة، ومتواكب معها زيادة جميع أسعار السلع، بما في ذلك المنتجة محليا، نتيجة ارتفاع أسعار جميع مدخلات ومستلزمات الإنتاج، ما تسبب في خروج الكثير من المنتجين -على تعددهم وتنوعهم – خارج العملية الإنتاجية، وندرة إنتاج بعض السلع وبالتالي ندرة توفرها وارتفاع كبير في سعرها، فسعر الصرف اليومي هو الذي يتحكم بالأسعار، حيث الدولار هو المعيار عند جميع الصناعيين والتجار، وعلنًا بلا خوف ولا حياء، وحتى العاملين في الدولة يقولون كان راتبنا في بداية سبعينات القرن الماضي نحو 80 دولار إلا أنه اليوم نحو 8 دولارات فقط.

وهنا من حق كل مواطن أن يسأل المعنيين أولي الأمر: ما هي المكاسب التي حققتها الحكومة جراء دخولها عملية المضاربة بالدولار؟!، وإن كانت تقول أنها قد حققت جمع ملايين الدولارات، فالتساؤل: وإلى أين ذهبت بما جمعت ؟! لأن المواطن لا يرى أن هذه المبالغ انعكست لصالحه، فنار الأسعار تتأجج تتابعيا لجميع المواد، والمحروقات لم تتوفر بأفضل مما كانت عليه قبل المضاربة، لا كمية ولا سعرا، والسورية للتجارة متوقفة عن بيع المواد المدعومة، وبقي حال الكهرباء السيء على ما هو عليه، بل يزداد سوءا بين حين وآخر، وكثير من المنتجين وخاصة في مجالات الزراعة بأنواعها، ومربي الدواجن والثروة الحيوانية رهن ضربات قاصمة متتالية تضعفهم بل وتذلهم، وقد أودت هذه الضربات بالعديد منهم إلى الهاوية، كما أن عامة المستهلكين يئنون من ارتفاع عام يومي في أسعار جميع المواد، والرواتب لم تزدد، وحتى لو ازدادت لن تفي بمنعكسات أسعار المواد ما كان منها قبل الزيادة وما سيكون بعدها، حتى كاد مجمل الراتب السنوي للعامل في الدولة – من الفئة الأولى- لا يكفيه لشراء جزء يسير من حاجته من مادة استهلاكية واحدة أساسية كمادة زيت الزيتون، وراتب شهير لا يكفيه لشراء مؤونته من مادة البصل، وكثير من العاملين في الدولة – خاصة أبناء الريف – يستهلكون كامل راتبهم الشهري نفقات نقل واتصالات، وليس بمقدور أيًّا منهم استئجار مسكن لأن الإيجار الشهري لأصغر مسكن لا يغطيه أكبر راتب لأي عامل في الدولة، حتى بات الكثير من العاملين يتقدمون باستقالتهم متى اقتربوا من سن التقاعد وبعض الباحثين عن عمل لا يتقدمون لوظائف – حال توفرت لهم – لأن الراتب لا يغطي أجور تنقلهم، وتأمين مسكن لحياة زوجية جديدة أصبح حلما.

فالسياسة الاقتصادية النقدية للحكومة مبعث قلق كبير، وهذا الدولار المُجمع عليه أنه لا يوجد له ما يغطيه ذهبا – كما هو مستوجب – قي الخزانة الأمريكية، وما هو إلا أوراقا أمريكية مطبوعة، يطرح سؤالا كبيرا وهو: هل من المعقول أو المقبول أن يكون كبيرا وقويا إلى درجة أن تكون الليرة السورية صغيرة وضعيفة إلى هذا الحد؟!.

حقيقة الأمر أن الكبير القوي هو هذا الشعب الصابر الصامد الذي لا يزال يعيش الأمل، بأن الحكومة ستستجمع قواها وتتوقف عن العمل المهدود، باتجاه الكثير من العمل الجاد المثمر الموعود لما فيه مصلحة الوطن والمواطن، وألا يغيب عن البال أن للصبر حدود.

عبد اللطيف عباس شعبان

عضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية