مؤشرات “عدم جدوى” تكتنف نُسخ “صُنع في سورية”..!

202

شارع المال|

طرح معرض “صنع في سورية” الذي أُقيم قبل أيام في صالة الجلاء الرياضية بالمزة، جملة من التساؤلات الواجبة الإجابة، بعد ما شهده من مؤشرات عدم جدوى مثل تلك المعارض التي تتنقل من مكان لآخر.

من تلك المؤشرات -على سبيل المثال- لا الحصر عدم تلبية تلك المعارض لأهدافها، ففيما يخصّ المستهلكين لوحظ تراجع في أعدادهم، والسبب أن مرادهم في الحصول على تخفيضات أو حسومات “محرزة” اصطدم أولاً بمقدار نسب الحسم (مئة أو بضع مئات من الليرات) التي لا تذكر مقابل ارتفاع الأسعار الفظيع للمنتجات والسلع المعروضة ومنها ما لا يحتاجه المستهلك المستهدف، وثانياً مشكلة تكلفة الوصول للمعرض (أجور النقل المرتفعة) التي تذهب بأي وفر مهما كانت نسبة الحسميات، فالمستهلك القاطن في مناطق أخرى غير “المزة”، لن يستفيد شيئاً من أية حسومات مهما بلغت، الأمر الذي يجعل من مثل تلك المعارض مجرد بازارات أو أسواق شعبية متنقلة تُخدِّم مساحة سكانية ضيقة، حتى المستهلك القادر مادياً لا يكترث بمثل تلك المعارض، فهو زبون لـ”المولات” بحكم اعتبارات خاصة بهذه الشريحة، وبالتالي فإن التجربة الداخلية لمعارض “صنع في سورية”، فقدت مفاعيلها وآثارها وجدواها، لكل من الشركات المشاركة والمستهلك على حدّ سواء.

ومن المؤشرات على عدم الجدوى، ملاحظة تمنع الماركات المشهورة عن الإدلاء بأي تصريح إعلامي، وهذا يدلّ على أن مشاركتها من باب المجاملة وتسجيل الحضور ورفع العتب، لأن الواضح تراجع اهتمامها بالأسواق الخارجية والتصدير لها، بعد أن أثبتت حضوراً فيها، ولا أدلّ عدم تقديمها نسب حسومات خاصة تتناسب مع إمكاناتها المالية، وفي الوقت نفسه تستقطب شريحة المستهلكين المحدودي الدخل المستهدفين أساساً الذين لأجلهم تُقام مثل تلك المعارض، كذلك عدم اكتراثها بنتائج مشاركتها أو حرصها على تحقيق مبيعات أو الترويج والتسويق لمنتجاتها.

ومع ذلك تحاول اللجنة المنظمة للمعارض في غرفة صناعة دمشق نقل المعرض إلى كافة المناطق كحلّ شبه بديل، وإصرارها على أهمية الناحية الترويجية، رغم سقوطها، الذي يتبدى بتحول أهداف المعرض إلى الاستعراض الاجتماعي، وهذا ما يعكسه تصريح مشرف فريق عمل المعرض محمد العمر لـ”البعث” بقوله: إنه بالإضافة للميزات الترويجية والحسومات تمّ التركيز خلال هذه المعارض على تفعيل مساهمة القطاع الصناعي الخاص بالفعاليات الاجتماعية، وتوزيع قسائم شراء على أسر الشهداء، وسيتمّ توزيع عدة جوائز في ختام المعرض من ضمنها ميدالية ذهبية.

منصة لطرح المعاناة!

وبدلاً من الحديث في أهداف المعرض وتفعيل دوره، أصبحت المعارض منصة لطرح معاناة المشاركين، مثال ما طرحه الصناعي أنس بسام مريري من معاناة قطاع الملابس المتمثل بجمود واضح نتيجة ارتفاع الأسعار الكبير، رغم الإعلان عن عروض مغرية كالحسومات من 30-40% أو بيع معطف بسعر 30 ألف ليرة، أو كنزتين بسعر 40 ألفاً على حدّ رأيه، مضيفاً أنه لا يمكن منح تخفيضات أكثر من ذلك، بل طالب بتخفيض الجمارك والرسوم المالية على مستلزمات صناعة الألبسة كالخيط ومواده الأولية، لأن ذلك ينعكس على التكلفة بشكل كبير، فمعظم المواد الأولية شبه مفقودة في الأسواق الوطنية، وذلك بغية رفع القدرة الشرائية للمواطن وجعل هذه المعارض خطوة تدخلية مفيدة داخلياً، وتعزيز قدرة المنتج الوطني التنافسية خارجياً.

كما لفت عضو غرفة تجارة حلب سالم لوزي حباب، إلى مسألة شح مبيعات الألبسة خلال هذا المعرض ورغم إعلانهم عن تخفيضات بنسبة 30% في جناحهم لبيع الألبسة الجاهزة، حيث كان البيع بمعدل قطعة ملابس واحدة يومياً!.

تعالٍ صناعي..!

لوحظ خلال المعرض حجم العروض الكبيرة من شركات الصناعات الغذائية، إلا أنها كانت من ماركات جديدة وغير معروفة أو مغمورة، وتهربت الماركات المعروفة للمرتديلا، والمشروبات، والزهورات، والأعشاب من إجراء اللقاءات الصحفية وكأنها وصلت لدرجة الاحتكار للسوق، أو أنها فوق الترويج، أو تخشى الكلام والنقد حفاظاً على مصالحها.

الصناعي عمار دللو مدير شركة زهر البستان للصناعات الغذائية والكونسروة، الحديثة نسبياً، نوّه بأن أهمية المعرض تكمن في إيصال المنتج إلى المواطن في كافة مناطق سورية بسعر الجملة، ما ينعكس بالفائدة على المستهلك والصناعي، وأعلن ضمن جناحهم عن حسومات من 10-30% تختلف حسب المنتجات، إضافة للهدايا والجوائز، وأمل بالتخفيف من معاناة الصناعيين في قطاع الصناعة الغذائية المتمثلة بانقطاع التيار الكهربائي، وقلة المازوت، وصعوبة تأمين بعض المواد الأولية كالسكر، ما ينعكس على تكلفة سعر المنتج وبالتالي إمكانية تقديم حسومات مؤثرة.

هل حقق الهدف..؟

يعتبر العسل ثاني المواد التي تتعرض للغش في أسواقنا، ومهما دفع المواطن ثمناً لتلك المادة التي لا يشتريها إلا بهدف التداوي تبقى تلك الظاهرة موجودة، وفي هذا السياق بيّن رئيس لجنة النحالين في غرفة زراعة دمشق باسم العطار أنهم مؤخراً كثفوا مشاركتهم في معظم المعارض والفعاليات بغية إيجاد أسواق لتصريف منتجات النحالين والتي غالباً ما يبتلعها التّجار ويحتكرونها، وكسر الحلقات التسويقية المتعدّدة التي تزيد من سعر المنتج وتؤثر على جودته، ويرى في مثل هذه المعارض فرصة لتعريف المستهلك بأنواع العسل الطبيعية خالية الغش، والسؤال: هل حققت تلك المعارض ما ذكر من أهداف، حيث السعر يقول كلمته عند شريحة مرتادي مثل هذا المعارض؟!!.

من جانب آخر تحدث رئيس لجنة النحالين في الغرفة نزار سعد الدين عن معاناة مربي النحل وفقدان بعض الأنواع الجيدة من خلايا النحل، محدداً أهدافهم الحالية في إعادة ملكة النحل السورية، واستيراد ملكات نحل لتشجيع المربين، والتنسيق مع عدد من الجهات لتسهيل إجراءات التحاليل، والتخفيف من النفقات على المربين.

عودة لمنتجي المنظفات

من الملفت أن المعرض شهد مشاركة كبيرة لقطاع صناعة المنظفات والمواد الكيميائية، ووجود ماركات جديدة، وعودة لماركات كانت متوقفة خلال الأزمة؛ حيث وجدت في هكذا معرض فرصة لتواجدها في السوق.

الصناعي عبد الرحمن زيتون مدير شركة “أومو” للمنظفات، أعلن عن إعادة انطلاق شركته تزامناً مع هذا المعرض، واتخاذه خطوات لتخفيض السعر والتكلفة على المستهلك، عبر قيامهم بصناعة كافة المستلزمات ابتداء من العبوة البلاستيكية والطباعة والبودرة، مؤكداً أن الحسومات على منتجاتهم تصل إلى 50%.

تلاشت من “احتياجاته”

ورغم وجود عروض كبيرة لكنها للأسف عروض لمواد أصبحت غير موجودة في قاموس غالبية المواطنين، حيث يمكنك الحصول على كلغ من سائل الجلي مجاناً وعبوة منظف خشب بالإضافة إلى حسم 1500 ليرة، ولكن هل المواطن يبحث عن شراء هذه المادة أو يستخدمها بشكل يومي، هذا ما تساءلت عنه المسؤولة عن جناح شركة “لمكس” للمنظفات التي وصفت الإقبال على المعرض بالخفيف، مرجعةً السبب لتدني القدرة الشرائية للمواطن مع توقيت المعرض المتزامن مع نهاية الشهر.

في حين ذهبت المسؤولة عن جناح الشركة السورية للصناعات الكيميائية “سوبر وايت” فاطمة الزرعي إلى أن المشاركة في المعرض جيدة نسبياً، وخالية من أية سلبيات باستثناء صغر حجم الأجنحة، منوهة بأنهم سبق وشاركوا بجميع نسخ المعرض إضافة لمعارض العراق، وأربيل، حيث تمكنوا من تحقيق حجم من التصدير لا بأس به إلى تلك الأسواق إضافة للأسواق اللبنانية، لافتة إلى أن مشاركاتهم الخارجية أتاحت لهم بعض عقود التصدير، أما عن حسوماتهم في هذا المعرض فبلغت 10% مع عروض متنوعة تختلف بحسب الكميات والأوزان.

فرصة لـ”الأسر المنتجة”

ظهر جلياً خلال المعرض الاهتمام بموضوع الصناعات اليدوية، ودعم المشاريع الصغيرة من خلال عدة أجنحة. وعن أهمية المشاركة بمثل هكذا فعالية قالت المسؤولة عن جناح المكتب الإقليمي للأسر المنتجة والصناعات الحرفية والتقليدية- مكتب سورية، دانا الرفاعي: إنها فرصة لإتاحة نوافذ تسويقية للأسر المنتجة، والصناعات الحرفية والتقليدية ضمن أضيق نطاق، وتقوية أرضية كافة المشروعات الصغيرة. وأشار طارق أبو الخير، منسق في المكتب، إلى أنهم مهتمون بتسويق الصناعات الغذائية المنزلية التي لا تحتوي مواد حافظة، ولا تحتاج خطوط تعليب آلية، وهي تلاقي رواجاً ضمن المقبول، ويتمّ بيعها من خلال المعارض والبازارات الخيرية حصراً بحيث يتمّ كسر الحلقات الوسيطة.

البعث- دمشق- بشار محي الدين المحمد